محمد بن جرير الطبري

51

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

أمرتهم به وأنههم عما نهيتهم عنه ، لحاجة لي إليهم ولا إلى أعمالهم ، ولكن لا تفضل عليهم برحمتي وأثيبهم على إحسانهم إن أحسنوا ، فإني ذو الرأفة والرحمة . وأما قوله : إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء فإنه يقول : إن يشأ ربك يا محمد الذي خلق خلقه لغير حاجة منه إليهم وإلى طاعتهم إياه يذهبكم يقول : يهلك خلقه هؤلاء الذين خلقهم من ولد آدم ويستخلف من بعدكم ما يشاء يقول : ويأت بخلق غيركم ، وأمم سواكم يخلفونكم في الأرض من بعدكم ، يعني : من بعد فنائكم وهلاككم . كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين كما أحدثكم وابتدعكم من بعد خلق آخرين كانوا قبلكم . ومعنى من في هذا الموضع : التعقيب ، كما يقال في الكلام أعطيتك من دينارك ثوبا ، بمعنى : مكان الدينار ثوبا ، لا أن الثوب من الدينار بعض ، كذلك الذين خوطبوا بقوله : كما أنشأكم لم يرد بإخبارهم هذا الخبر أنهم أنشئوا من أصلاب قوم آخرين ، ولكن معنى ذلك ما ذكرنا من أنهم أنشئوا مكان خلق خلف قوم آخرين قد هلكوا قبلهم . والذرية من قول القائل : ذرأ الله الخلق ، بمعنى خلقهم فهو يذرؤهم ، ثم ترك الهمزة فقيل : ذرا الله ، ثم أخرج الفعيلة بغير همز على مثال العلية . وقد روى عن بعض المتقدمين أنه كان يقرأ : من ذريئة قوم آخرين على مثال فعيلة . وعن آخر أنه كان يقرأ : ومن ذرية على مثال علية . والقراءة التي عليها القراء في الأمصار : ذرية بضم الذال وتشديد الياء على مثال علية . وقد بينا اشتقاق ذلك فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته ههنا . وأصل الانشاء : الاحداث ، يقال : قد أنشأ فلان يحدث القوم ، بمعنى : ابتدأ وأخذ فيه . القول في تأويل قوله تعالى : * ( إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين ) * . يقول تعالى ذكره للمشركين به : أيها العادلون بالله الأوثان والأصنام ، إن الذي يوعدكم به ربكم من عقابه على إصراركم على كفركم واقع بكم وما أنتم بمعجزين ،